الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
122
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
جدال أهل الكتاب : وقال الكاتب في صفحة ( 178 ) ما نصه : ولقد أمر الإسلام معتنقيه أمرا ألا يجادلوا أصحاب الديانات الأخرى إلا بالتي هي أحسن ، وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ العنكبوت : 46 ] ، وما ذلك إلا ليشعروا أن المتدين أخو المتدين ، وإن اختلفا في بعض الآراء والأفكار . وذكر الكاتب قبل كلامه هذا أن من أصحاب الديانات أتباع كنفشيوس في الصين ، وبوذا في الهند ، وزاردشت بالفرس ، وإخناتون المصري القديم ، وقال : إنه لا يحق لمسلم أن يزدريهم أو أن يحقرهم ، فقد يكونون من الرسل الذين لم يقص القرآن قصصهم . ونقول له قبل أن نتكلم معه في الآية الكريمة التي ساقها دليلا على دعواه : إن الرسل الذين لم يقصهم اللّه تعالى علينا في القرآن هم ضمن الغيب الذي لم يطلعنا اللّه عليه لحكمة يعلمها هو ، فعلينا أن نؤمن بأن هناك رسلا دعت الناس إلى توحيد اللّه وعبادته دون أن نعرف أشخاصهم وأزمنتهم وما لابس وجودهم من وقائع وحوادث ، فقد قال العلماء في قوله تعالى : وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [ النساء : 164 ] ، معناه أن هناك رسلا سميناهم لك في القرآن ، وعرفناك أخبارهم ، وإلى من بعثوا من الأمم ، وما حصل لهم من قومهم ، وقوله : لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ، أي لم نسمهم لك ، ولم نعرفك أخبارهم ، فمجرد تجويز أنهم رسل لا يكفى أبدا لإعطائهم قداسة الرسل . ولنتكلم معه في الآية : نقول : إنه لم يسق الآية بتمامها ، وفي ذلك تغطية للحقيقة وستر لها عن أعين المتطلعين إليها والراغبين في معرفتها ، فالآية في سوقها هذا تدل على أن لا نجادل إلا بالتي هي أحسن دائما أبدا ، وهذا غير مراد قطعا بدليل قوله سبحانه بعد هذا مباشرة : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ، ولنذكر معنى الآية بعد ذلك ، فنقول : قوله تعالى : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ [ العنكبوت : 46 ] ، أي اليهود والنصارى ظنا منكم أن الجدال ينفع ، أو يزيد في اليقين ، أو يرد واحدا عن ضلال مبين ، إِلَّا بِالَّتِي ، أي المجادلة التي هِيَ أَحْسَنُ ، كمعارضة الخشونة باللين ، والغضب بالكظم والدعاء إلى اللّه تعالى بآياته ، والتنبيه على حججه كما قال : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ المؤمنون : 96 ] .